سيد قطب
1905
في ظلال القرآن
وهكذا نجد في هذه النصوص وأمثالها في القرآن الكريم العلاقة الواضحة بين كون اللّه سبحانه هو الحق ، وبين خلقه لهذا الكون وتدبيره بنواميسه ومشيئته بالحق ، وبين الظواهر الكونية التي تتم بالحق . وبين تنزيل هذا الكتاب بالحق ، وبين الحكم بين الناس في الدنيا والآخرة بالحق . . فكله حق واحد موصول ينشأ عنه جريان قدر اللّه بما يشاء ، وتسليط القوى الكونية بالخير والشر على من يشاء ؛ وفق ما يكون من الناس من الخير والشر في دار الابتلاء . ومن هنا كان ذلك الربط بين الاستغفار والتوبة ، وبين المتاع الحسن وإرسال السماء مدرارا . . . فكل أولئك موصول بمصدر واحد هو الحق المتمثل في ذات اللّه سبحانه وفي قضائه وقدره ، وفي تدبيره وتصريفه ، وفي حسابه وجزائه ، في الخير وفي الشر سواء . . ومن هذا الارتباط مجلى أن القيم الإيمانية ليست منفصلة عن القيم العملية في حياة الناس . فكلتاهما تؤثر في هذه الحياة . سواء عن طريق قدر اللّه الغيبي المتعلق بعالم الأسباب من وراء علم البشر وسعيهم . أو عن طريق الآثار العملية المشهودة التي يمكن للبشر رؤيتها وضبطها كذلك . وهي الآثار التي ينشئها في حياتهم الإيمان أو عدم الإيمان ، من النتائج المحسوسة المدركة . وقد أسلفنا الإشارة إلى بعض هذه الآثار العملية الواقعية حين قلنا مرة : إن سيادة المنهج الإلهي في مجتمع معناه أن يجد كل عامل جزاءه العادل في هذا المجتمع ، وأن يجد كل فرد الأمن والسكينة والاستقرار الاجتماعي - فضلا على الأمن والسكينة والاستقرار القلبي بالإيمان - ومن شأن هذا كله أن يمتع الناس متاعا حسنا في هذه الدنيا قبل أن يلقوا جزاءهم الأخير في الآخرة « 1 » . . وحين قلنا مرة : إن الدينونة للّه وحده في مجتمع من شأنها أن تصون جهود الناس وطاقاتهم من أن تنفق في الطبل والزمر والنفخ والتراتيل والتسابيح والترانيم والتهاويل التي تطلق حول الأرباب المزيفة ، لتخلع عليها شيئا من خصائص الألوهية حتى تخضع لها الرقاب ! ومن شأن هذا أن يوفر هذه الجهود والطاقات للبناء في الأرض والعمارة والنهوض بتكاليف الخلافة فيكون الخير الوفير للناس . فضلا على الكرامة والحرية والمساواة التي يتمتع بها الناس في ظل الدينونة للّه وحده دون العباد « 2 » . . وليست هذه إلا نماذج من ثمار الإيمان حين تتحقق حقيقته في حياة الناس « 3 » . . ( وسيرد عنها بعض التفصيل في نهاية استعراض قصص الرسل في ختام السورة إن شاء اللّه ) . * ونقف أمام تلك المواجهة الأخيرة من هود لقومه ؛ وأمام تلك المفاصلة التي قذف بها في وجوههم في حسم كامل ، وفي تحد سافر ، وفي استعلاء بالحق الذي معه ، وثقة في ربه الذي يجد حقيقته في نفسه بينة : « قالَ : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ ، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ ، فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ، وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ، إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ » . . إن أصحاب الدعوة إلى اللّه في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلا أمام هذا المشهد الباهر . . رجل واحد ، لم يؤمن معه إلا قليل ، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم ، كما جاء عنهم في قول اللّه تعالى فيهم حكاية عما واجههم به أخوهم هود في السورة الأخرى :
--> ( 1 ) ص 1871 - 1872 من هذا الجزء . ( 2 ) ص 1897 من هذا الجزء . ( 3 ) يراجع كذلك ما جاء في تقديم هذه الطبعة المنقحة لهذه الظلال بعنوان : « في ظلال القرآن » الجزء الأول ص 16 - 18 .